23 سنة على رحيل الجابري .. الحجمري يكتب "حَياةٌ تَدُومُ فِي الذّكْرَى"

23 سنة على رحيل الجابري .. الحجمري يكتب 'حَياةٌ تَدُومُ فِي الذّكْرَى'

“كذب من يدعي أو يعتقد أن ذاكرة الإنسان تنسى، أو أن ما بها يتقادم ويتلاشى. كلا ثم كلا. إنها تحتفظ بكلّ شيء، بما يعيه صاحبها وبما لا يعيه”.

– محمد عابد الجابري: “حفريات في الذاكرة من بعيد” ص 174.

“سلكُ الرجال”

كتب محمد عابد الجابري “حفريات في الذاكرة من بعيد” (مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1998)، بهاجس قراءة مرحلة من مراحل حياته الشخصية الممتدة من الطفولة الأولى إلى مرحلة الانخراط في “سلك الرجال”. وللتساؤل الذي يتصدر هذه الحفريات أهميته:

“هل يتعلق الأمر بجنس في الكتابة جديد، أم بمجرد اسم آخر يضاف إلى قائمة الأسماء التي تطلق على جنس أدبي معروف منذ القديم، يسمى تارة “بالسيرة الذاتية” وأخرى بـ “اعترافات” وثالثة بـ “مذكرات”، مع ما يقيمه المختصون في هذا المجال من فروق بين الأصناف؟ (ص 7)”.

إنه سؤالُ ميثاق “أوتوبيوغرافي” و”مرجعي” يصدر من خلاله محمد عابد الجابري في ما يكتبه عن وقائع حقيقية، السرد فيها هو الوعي بانفتاح الكتابة الشخصية على نقل تجربة الذات للآخرين، وقبل ذلك التعرف عليها، والتغلب على الزمن وانتقاء التفاصيل الأكثر دلالة.

لذلك، يؤكد محمد عابد الجابري أن الأمر لا يتعلق في هذه الحفريات بتقديم سرد “تأريخي” لوقائع حياة شخص، بل إنها عرض وتحليل مع نوع من التأويل لما يبدو للكاتب أنه يستحق أن يحكى وينقل إلى القارئ. ولذلك، نقرأ هذه الحفريات بوصفها مشاهد من حياة لا سرودا تنشغل بقضايا الكتابة السيرية وما يتعلق بها من قضايا النوع الأدبي وصلة التخييل بالواقع… لقد سلّم الكاتب المِشعل للأركيولوجي لينقَب عن الآثار النفسية: معالمٌ وشهادات ذات مغزى هي الأبقى والأنبل لربط جسور المعنى بين رواسب الماضي ونزوعات المستقبل.

كتابة عفو الخاطر

كتب محمد عابد الجابري هذه الحفريات وهو في الستين من عمره؛ كتبها عفو الخاطر ملتقطا بعض التجارب المثيرة من حياته والتي رسخت في البال بأسلوب أقرب إلى البوح عن مرحلة الصبا والمراهقة وأوائل الشباب؛ هي إذن حفريات تقول صاحبها “ليس ها هنا قصة ولا تخيل، ولا “خلق” ولا “ابتكار”… لا تنطق بنفسها إلا عن وجودها الزمني، إذ لا تملك إلا هويتها الوجودية (ص 8).

محكي الذات في كُليته محكي حياة؛ وهو في حفريات محمد عابد الجابري نصّ موزع بين رغبتين كلاهما وهْمٌ: النسيان والحنين. يستعيد الجابري ذكريات الصّبا عبر باقة من الحكايات حمّالة لأفكار وأحاسيس وأشجان؛ ذكريات ملفوفة برائحة المكان وبراءة الإنسان. في حديث الجابري عن حضور الأمّ وغياب الأب والكائنات اللامرئية وفكيك وأهلها وقصورها استرجاع لأحاسيس لا يريدها أن تضيع؛ كلّ شيء في هذه الحفريات قصيّ، ولذلك فمعانيها كامنة في إيجاد الكلمات المناسبة للحديث عن أحوال متقلبة ومتشابكة لعلّها تشبث مؤقت بسيرورة الوجود والفكر. ها هنا يعترف الجابري -مرة أخرى- أن إعطاء المعنى لعملية الذاكرة عملية تتعاون عليها عدة عناصر: هناك أولا السياق الذي توضع فيه الذكرى، وهو مجرى حياة يعاد بناؤه وتقوم فيه الذاكرة بدور، ويقوم فيه العقل المحلل والمؤول بدور. وهناك ثانيا الدلالة النفسية والاجتماعية للذكرى في علاقتها مع مكوّناتها الخاصة من جهة، ومع الأفق الذي يعطيه لها التحليل من جهة ثانية. وبذلك تكتسب الذكرى المسترجعة بعدا إنسانيا يحيل إلى الإنسان كإنسان… (ص 8-9).

نصّ بياني

“حفريات في الذاكرة” نصّ بياني يتجاوز دائرة الأدب الذاتي وإن كان ينتمي إلى أفقه؛ هي أصواتٌ ورؤى تحكي بدون واسطة وبدون تصرّف؛ لا تحكي الواقع مباشرة، بل تعيد استكشافه ورصد تناقضاته وممكناته… “إن الأمر يتعلق بنصّ غير مقالي، غير فلسفي ولا علمي، وبالتالي لا مكان فيه للاستدلال “البرهاني”… إنه نصّ بياني يعرض ذكريات شخصية، ويتغذى من مخزون ثقافي معين، ويوظف الصورة والإشارة والتلميح والرمز (ص 9)”.

الفكرة في حفريات محمد عابد الجابري يغزوها شعورٌ بالانتساب إلى ألفة زمن فات، ورغم ذلك يبقى الحنين إليه متصلا بلذة الاستكشاف. لا يصف الجابري في حفرياته الماضي، بل يصف الحاضر المستمرّ. هو القائل: “… ذكريات الطفولة تمْثل في الذهن والوجدان، عند استدعائها، متزامنة متزاحمة، وكأنها حاضر سابق لكل زمان (ص11)”؛ هي ذكريات جادة وصارمة ومع ذلك لا تخلو سنواتها الأولى قبل الثانية عشرة من عمره والالتحاق بالمدرسة الوطنية/مدرسة النهضة المحمدية من هزل ومرح. لقد عاش محمد عابد الجابري طفولته الأولى في جوّ من الرعاية البالغة سواء من جهة أهله لأمه أو من جانب أهله لأبيه… لم يحدث له طوال هذه المرحلة من عمره ما يكدّر عليه صفو ذكريات طفولته (ص36). لكن بعاطفة هشّة وشجية وربما رثائية، لتخليه فيها عن ضمير المتكلم لصالح ضمير الغائب، يحكي عن فراق أمه لأبيه، فقد كان يشعر منذ فتح عينيه على أمه وأبيه، منفصلين كل منهما في منزل أهله، بأن أمه كانت تحبّ أباه وأن أباه كان يحب أمه ولم يكن بُعد أحدهما عن الآخر يعني لديه أي شيء في طفولته الأولى. كان له أب وكانت له أمّ، وكان له جدّ وجدة، وخال وعمّات، وكان الجميع شديد العناية به، شديد الحبّ له (ص37).

الصداقة سبب آخر للحنين

هي في الحفريات مصدر سعادة وانكسار؛ حاملة لكفنٍ ولألم ممتد منذ الأعوام الأولى حين تينع الدهشة وتكون الإرادة لمنطق الصدفة؛ كان اسمه “حمّو زايد” طفلا في مثل سنه: ما بين الثانية والثالثة من عمرهما، حينما بدآ يلعبان معا أمام منزلي أهلهما أو في دكان والد صديقه… ومع أن صاحبنا يستحضر في وجدانه بوضوح كيف كان أحدهما مشدودا إلى الآخر برباط الصداقة والمحبة البريئة… ويتذكر بكامل الوضوح كيف أنه كان ذات صباح، والشمس تتقدم ببطء نحو كبد السماء، يلعب مع صديقه “حمو زايد” يجريان على سقف مسجد… وفي لحظة هوى بهم سقف المسجد فصاروا تحت ركامه. ولم يشعر صاحبنا الذي كان يجري خلف صديقه الصغير إلا ويد قوية تمسكه من خلف وتلقي به بعيدا إلى الوراء… لم تمض إلا دقائق حتى عرف أهل الحي جميعهم أن “حمو زايد” يبحثون عن جثته تحت الأنقاض، وأن “حمو عابد” نجا بأعجوبة (ص 39). إعلانُ الفراق مصحوب بهمس صريح: “إن صداقة الأطفال تنطوي على أسرار لا يعرفها الكبار، أسرار فقدوها نهائيا عندما فقدوا براءة الأطفال (ص39)”.

منطقة فسيحة… من “المسيد” إلى المدرسة

نحنُ في عُمْر البراءة؛ وذكرى حفريات محمد عابد الجابري رفيقة ورقيقة، مقبلة على الحياة بعشق واحتشام. أناهُ غير طيفية، بل موجودة وبمشاعر شديدة الاتقاد. ولذلك، كانت سيرة التّعلّم في الحفريات منطقة فسيحة من “المسيد” إلى المدرسة: أبجدية الكتابة والقراءة، عصا الفقيه، حفظ المتون؛ وفي المدرسة الفرنسية للبلد سيقضي صاحبنا سنتين بالمستوى الأول، ولم ينس الأهمّ: “لم يكن الأطفال يشاغبون كما كان الشأن في المسيد، فالتلاميذ هنا يجلسون فرادى على مقاعد، والمعلم يتعامل معهم كأفراد وليس كـ”جمع” كما في المسيد (ص51)”. لا يكتفي عابد الجابري باستحضار حفريات من المدرسة الفرنسية، بل إنه يصعد إلى جوهر وجودها وسط بيئة عتيقة ومحافظة ليجده كامنا في “النظام” الذي “تفرضه سلطة المعلّم -والتي هي امتداد لسلطة الحاكم الفرنسي- “النظام” الذي ينقل معه “النزعة الفردية” من التراث الليبرالي الأوروبي لتحلّ محلّ “الحضور الجمعي” الذي يتميز به المسيد (ص52)”. الحديث عن الذات في الحفريات سعادة؛ وعن الآخرين سعادة أيضا. من ذلك حديث الجابري عن “الحاج محمد فرج” إمام من رجالات السلفية النهضوية والوطني ومدرّس التاريخ والجغرافيا لقسم الشهادة وللقسم التكميلي، أنشأ مدرسة النهضة المحمدية وأضحى في المخيلة ملاكا لعلوّ مكانته العلمية والإنسانية الرفيعة. يتذكّر الجابري لقاءه الأول بالحاجّ محمد فرج “فقد غادر ذات صباح بيت أهله لأبيه قاصدا المسجد الكبير لأداء صلاة الصبح وليلتحق بعد ذلك بالمسيد لمراجعة القرآن. وما إن خرج من زقاق منزله ليدخل الزقاق الرئيسي حتى وجد نفسه وراء الحاج محمد، الذي كان هو الآخر ذاهبا إلى المسجد ليؤمّ بالناس صلاة الصبح. كان الحاج محمد طويلا في غير إفراط، يرتدي في العادة برنسا أبيض يلقي بجناحه الأيمن على كتفه الأيسر، ثانيا قلنسوته على رأيه… كان يمشي، وهو يقرأ القرآن، بخطوات ثابتة متئدة ( ص 73)”؛ والحقيقة أن صورة الحاج محمد كما انطبعت في ذهن الجابري كانت أغنى وأعزّ من أن توصف، وقد رفعها من كثرة صفائها ومعزّتها إلى مرتبة الملائكة تقديرا وإجلالا؛ و”يستطيع صاحبنا أن يؤكد أنه كان إذا سمع الناس يتحدثون عن الملائكة يتخيلها جميعا على صورة واحدة هي صورة الحاج محمد ببرنسه الأبيض وقوامه المستقيم وخطاه الثابتة وصمته الهادئ الذي يملأ النفس اطمئنانا (ص74)”.

في الطفولة الأبعد يتّحد الإنسان بالمكان بشعور غير مكتوم؛ ليس الاتحاد تخمينا بل إنّه بَهْجة كاسحة ووارِفة؛ الإنسان والمكان في فكيك حنين مباغت يأتي حتما من الماضي ويستمرّ في الحاضر (حاضر الواقع والكتابة) صادقا وصافيا:

“لم تكن حقول النخيل مفصولة عن بعضها بل كانت متداخلة. ومع ذلك فأهل فكيك يعرفون نخلهم، واحدة واحدة، سواء كانت مجتمعة في بقعة من الأرض أو متناثرة بين النخيل والكثبان أو على ضفاف الوادي، فالأرض مشاعة ولا يملك المرء إلا ما غرس. لم يكن أحد يقترب من نخيل الآخرين إلا ليصلح ما أفسدته الرياح، لا يأخذ منها تمرا ولا جريدا… على أنه من الجائز للمارة التقاط التمر من أسفل النخل أيا كان مالكه، ولكن للأكل فقط، هناك في عين المكان… (ص 56)”.

كائنات طيفية

بمثل هذه العبارات والمشاهد تتسع الحفريات لألوان وأطياف من الشوق زمنه مقبل على الحياة، وإن كانت في ملمح منها تضاهي أسطورة البقاء والديمومة حين تُستحضر مُطرّزة بغوايات الصبا في حديث محمد عابد الجابري مثلا عن الأضرحة والأولياء في مدينة فكيك لكثرتها وتنوّع اختصاصاتها (ص 58)؛ أو حديثه عن شخصيات معتوهة لا تنطق إلا بالحكمة المطمئنة : “ناسا” ( تحريف بالأمازيغية لاسم عبد الناصر) وخطبه التي كان يلقيها حول بغضب عن رفض المجتمع وقيوده وغياب العدل فيه (ص60) ؛ “كاسو” ( تحريف أبي القاسم) وكان بهلولا يجري في الأزقة باكيا؛ وعندما مات اتخذت النساء قبره مزارا ومن تراب قبره دواء لمعالجة اللوزتين؛ لم يكن “كاسو” يؤدي الصلوات الخمس إلا أن سلوكه البريء براءة الأطفال قد وضعه بعد وفاته في مرتبة الأولياء الصالحين (ص60)؛ أما “الشيخ حمان” (تحريف عبد الرحمان) فقد كان شخصية من نوع آخر. كان قد قضى فترة في فرنسا، وعندما عاد أخذ يتصرف “تصرفا” يعلو على تصرف “العقلاء”… كان ينطق بـ “الحكمة”، وكان “أحمق” لأنه كان ذا عبقرية فوق المعتاد (ص61)؛ كانت هناك أيضا “ماما قّو” (أمي رقية) التي تخوّف الأطفال، و”بيكا” اليهودي؛ و”ابن صفية” الأعرابي راعي قصر زناكة؛ كلها شخصيات كانت تملأ عالم الأطفال وتملأ بعض الفراغ في حياتهم. كانت رتابة حركة الزمن وندرة الجديد والغريب هي السمات الرئيسية التي تطبع الحياة آنئذ (ص 63) يرويها محمد عابد الجابري بكثافة الذكرى، صورا عاشها حيث أقام، بغبطة وأسى، يتشبث بالطلل والتراب وكلام العابرين وأخبارهم.

“تومزيا” مَجْمَعُ المتعة

لا يستقيم المجمع بقصر زناكة بدون القيل والقال. الكلام امتداد للزمن مأخوذ بشساعة المكان وضيقه في الآن ذاته؛ فالسكان هنا يعرف بعضهم بعضا، يعرفون أنسابهم وما يملكون، وما يخفون وما يظهرون (ص66). وكانت أكثر المجالس متعة في القصر تدعى “تومزيا”: كان هناك أشخاص معروفون بإبداعهم لنوع من التشبيه الكاريكاتوري يفجر الحاضرين بالضحك؛ وعلى الشخص الذي يكون موضوع التشبيه أن يضحك مع الضاحكين؛ لا يكون الضحك على الشخص موضوع “تومزيا”، بل يكون بسبب التشبيه ومن أجل الاحتفاء به، اعترافا بغرابته وإبداع الخيال فيه (ص 67).

“تومزيا” مظهر أساسي من مظاهر الطابع الجماعي للحياة في هذا النوع من المدن الصغيرة والمعزولة؛ الناس بسطاء ويحتاجون لنسيان مغص الأيام، حزنهم وفقرهم؛ نراهم يأخذون الحياة رغم ذلك بمرح، بحُنُوّ، وبقوّة…

سردٌ موْصولٌ بإحْساسٍ

ولذلك، لم تكن أيام الجابري في الطفولة البعيدة عادية، ولم يكن مستسلما لقسوتها، يحكي علينا النازلة والخبر اليقين عن القرابات والصداقات والقراءات والكتابات؛ صور متآزرة: سردُها موصولٌ بإحساس اللحظة وسكينة النوستالجيا من أجل أن يكبر العالم أمام أعين صاحبنا… وسيكبر عبر الأيام حين سينتقل إلى وجدة، والدار البيضاء والرباط ودمشق. وفي كلّ انتقال حلمٌ مدهش، وصفحات مضيئة من حياة عالِم خبَر خفايا العقل العربي، وأضحى واحدا من عُلمائه المبرّزين.

من بيت صغير في مدينة نائية بواحة فكيك، ينتقي “حمّو عابد” آثارا نفيسة من حفرياته في التربية والتحصيل والتعليم والنضال؛ بحُرقة ومرارة أحيانا وبسكينة وفيض محبة أحيانا أخرى.

السّرد في الحفريات مُجْمَلٌ تتوادَدُ فيه الكينونة مع أحوال الطبيعة؛ سردٌ يروي الوقائع بتلقائية، ويستقصي رغباتها ودوافعها وأقدارها. يلتفت إلى الماضي ويستشرف المستقبل، علاقتهُ بالعالم حسّية مُشبعة بالدهشة والصفاء والعفوية.

أترك تعليقا

أحدث أقدم