نموذج الدول الأوروبية البديل للمدن الذكية .. خبرات ملهمة وتعزيز للخصوصية‎‎

نموذج الدول الأوروبية البديل للمدن الذكية .. خبرات ملهمة وتعزيز للخصوصية‎‎

شدت دينا محمود على أهمية دراسة المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية حول ملامح النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية، الرامية إلى تطوير مسار ثالث لهذه المدن يتجنب أخطاء النموذج الأمريكي الاستهلاكي والنموذج الصيني الذي يركز على المراقبة.

وأشارت دينا ضمن مقال منشور من قبل مركز المستقبل للأبحاث والدراسات، بعنوان “ملامح النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية”، إلى نماذج ملهمة يسعى النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية إلى الاستفادة منها، من بينها الخبرة الفرنسية ونموذج مونتريال ونموذج سيول ونموذج هلسنكي.

وأوضحت أنه من خلال التجارب المختلفة، يمكن تحديد خصائص النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية، الذي يتوقع أن تكون الخصوصية هي حجر الزاوية الخاص به، حيث يمكن لأوروبا الاعتماد على إطار تنظيمي طموح، قادر على تعزيز وتطوير نموذج لهذه المدن بما يسمح بتصديره إلى القارات الأخرى.

هذا نص المقال:

في أكتوبر 2021، خلص تقرير فرنسي بعنوان “من المدينة الذكية إلى واقع المجتمعات المتصلة” إلى عدم وجود نموذج للمدن الذكية في فرنسا يمكن أن يكون مرجعياً وقابلاً للتصدير للخارج، إذ لم يستطع هذا البلد الأوروبي محاكاة مدينة “مصدر” الذكية في أبوظبي، أو “ذا لاين”، المشروع السعودي الضخم على شواطئ البحر الأحمر.

من هنا، تأتي أهمية دراسة للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية “Ifri” حول ملامح النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية، الذي يستهدف تطوير مسار ثالث لهذه النوعية من المدن يكون أكثر حرصاً في أدواته التكنولوجية وخصوصية المستخدمين، بحيث يتجنب أخطاء النموذجين الأمريكي الاستهلاكي أو الصيني الذي يركز على المراقبة، مع الاستفادة من الخبرات الفرنسية والكندية والكورية وغيرها.

أجرى هذه الدراسة، التي نشرت في ديسمبر الماضي، كل من جاك بريول، رئيس مؤسس شركة “CIVITEO” التي تساعد الشركات والمؤسسات العامة في بناء استراتيجية البيانات الخاصة بها، وجو فنسنان جالتي، خبير في قضايا السيادة الرقمية عضو في شركة “CIVITEO”.

التجربتان الصينية والأمريكية

طرحت الدراسة في بدايتها سمات التجربتين الصينية والأمريكية، محاولة استخلاص الدروس منهما، وذلك كما يلي:

1- نموذج المراقبة الصيني: في عام 2011، أثارت الخطة الصينية الخمسية الثانية عشرة لأول مرة رغبة الحزب الشيوعي الحاكم في تطوير مدن ذكية رقمية، ثم أصبح هذا الهدف جزءاً محدداً من الخطة الرابعة عشرة للفترة من 2021 إلى 2025، وتمت ترجمة ذلك في شكل استثمارات ضخمة في أكثر من 800 مشروع مدينة ذكية في الصين. ويعتمد هذا النموذج على نظام واسع لتحديد الهوية، بما في ذلك التعرف إلى الوجه في الأماكن العامة، وهو أمر قد يكون غير مقبول اجتماعياً ويتعارض مع مبادئ المجتمع الديمقراطي، بالتالي فهو يحتاج إلى أن يكون مجهزاً بتشريعات تضمن حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.

يركز النموذج الصيني للمدن الذكية على المراقبة، فبرغم تنوع الموضوعات التي يتناولها هذا النموذج، من إدارة النفايات إلى مكافحة الحرائق، إلا أن البُعد الأمني يبقى مهيمناً، فمن خلال مبادرات تقنية مختلفة تسهل المراقبة الجماعية، طورت الصين نموذجها للمدينة الآمنة، حتى لو تم استبدال هذا المصطلح الذي تستخدمه الحكومة على نطاق واسع بالمدينة الذكية. وعليه، تحاول الصين تصدير نموذجها، بما في ذلك إلى أوروبا، من خلال مبادرات مثل جولة “Huawei Online Smart City”، التي تم تنظيمها في عام 2020 في فرنسا.

كانت الصين قد جعلت مدنها الذكية “الآمنة” أداة لتعزيز نفوذها الجيو-سياسي حول العالم، فقد أدت طرق الحرير الرقمية إلى استثمارات كبيرة، لاسيما في إفريقيا، وذلك بفضل استنادها إلى امتلاك المعرفة للبنية التحتية الرقمية، وكذلك منصات البيانات الحضرية والشبكات التي تنقلها والتي تعد ميزة تمتلكها قلة من الشركات الأوروبية.

2- النموذج الاستهلاكي الأمريكي: هذا النموذج يتم الترويج له في العالم من قبل الشركات الأمريكية، خاصة نموذج كاليفورنيا التي وضعت تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة تحسين إدارة العمل العام، من خلال خوارزميات تهدف إلى تعزيز الأداء باكتشاف العيوب وانحرافات الامتثال، عن طريق تعديل العمليات بطريقة آلية، وفي الوقت ذاته نمذجة احتياجات الأفراد، وبالتالي وضع نماذج في خدمة الصالح العام أثبتت جدواها في المجال التجاري والاستهلاكي.

ربما يكون المثال الأشهر لهذا النموذج هو مشروع “Waterfront Toronto” في عام 2017، إذ أطلقت مدينة تورنتو الكندية دعوة لبناء مدينة المستقبل على أرض صناعية كبيرة ليست بعيدة عن الحي التجاري على شواطئ بحيرة أونتاريو، وفازت شركة البنية التحتية “Sidewalk Labs” بالمشروع، واستثمرت “ألفابت Alphabet” الشركة الأم لعملاق التكنولوجيا “غوغل” ما يقرب من 50 مليون دولار في البحث والتطوير لإعداد مشروع أثبت أنه مبتكر للغاية، من خلال إدارة الطاقة المُحسَّنة، والبناء منخفض الكربون، والإدارة الفردية لتدفقات النفايات، وشبكات طاقة حرارية، وشبكة تنقل مزودة بمسارات دراجات مدفأة وإشارات مرور تكيفية.

أثار هذا المشروع الجدل والمعارضة بسبب خصوصية البيانات، فقد رفضت “غوغل” إخفاء هوية البيانات، مما أثار الشكوك. في المقابل، قدَّمت فرق “Sidewalk Labs” مقترحات متعددة لمواجهة هذه المشكلة، لكن تم التخلي عن مشروع “Waterfront Toronto” في مايو 2020.

نماذج ملهمة أخرى

هناك جملة من النماذج التي يسعى النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية إلى الاستفادة منها، بخلاف النموذجين الصيني والأمريكي، من أبرزها ما يلي:

1- الخبرة الفرنسية: تنشر ما يقرب من 200 منطقة في فرنسا أنظمة مبتكرة لإدارة السياسات العامة القائمة على البيانات، وتتنوع في الأدوات الرقمية المستخدمة، كما تتيح المستشعرات الأكثر تعقيداً إمكانية جمع البيانات البيئية، وإجراء القياسات والتعداد، وضبط الأنظمة بطريقة آلية لإدارة الطاقة والمياه وجمع النفايات ومعالجتها، فضلاً عن استخدامها لتحليل وفهم ونمذجة احتياجات وسلوكيات المستخدمين من أجل توقع وتحسين عمل الخدمة العامة.

ويتم نقل البيانات عن طريق أنواع الشبكات المختلفة: راديو منخفض التردد، “3G” أو “4G”، وأحياناً “5G”، أو “Wi-Fi”، أو “Bluetooth”. ويُقدر إجمالي نفقات السلطات المحلية الفرنسية على البنى التحتية للخدمات “الذكية” بين عامي 2010 و2020 بنحو 4.4 مليارات يورو، وقد يصل هذا الإنفاق إلى 1.1 مليار يورو في ثلاث سنوات بين 2020 و2023 فقط لأكبر 40 مدينة فرنسية، ويتم دعم هذه النفقات من خلال برامج وطنية أو أوروبية.

ورغم اتفاق معظم هذه المشروعات الفرنسية في الأهداف، إلا أن التنفيذ ينطوي على خيارات محلية متباينة، ولاسيما من حيث الأسلوب والتوجه. وفي ضوء ذلك يمكن التمييز بين مسارين، الأول هو: المسار الشامل، إذ تشرع العديد من المهن في مجالات مثل المياه والكهرباء وإدارة النفايات وما إلى ذلك، في تحول رقمي واسع لكن ذلك يتطلب استثماراً ضخماً، ويعتمد هذا المسار على دعم سياسي استباقي ويكون على مدى فترة طويلة من الزمن على مستوى العمل العام المحلي.

ومن المشروعات في هذا السياق، مشروع Dijon (بقيمة 105 ملايين يورو على مدى عشر سنوات) وAngers (بقيمة 178 مليون يورو على مدى اثني عشر عاماً)، ويتجاوز هذا النوع من المشروعات نطاق الوظائف الحضرية التقليدية، حيث يتضمن، على سبيل المثال، القضايا البيئية وقضايا الصحة العالمية، وبالتالي التخطيط لاستخدام البيانات للربط بين الصحة والبيئة والعمل على رفاه السكان. أما المسار الثاني التدريجي، وهو الأكثر شيوعاً، فغالباً ما تتعلق بدايته بمهنة واحدة، ثم يتوسع النهج خطوة بخطوة، كما هو الحال في مدينتي Rennes وNantes.

2- نموذج مونتريال: فازت مدينة مونتريال في عام 2018 بـ”تحدي المدن الذكية” الذي أطلقته الحكومة الكندية، والذي ركَّز في البداية على قضايا التنقل والغذاء، وسرعان ما دمج مكوناً مبتكراً في إدارة البيانات، مستنداً بشكلٍ خاص إلى ميثاق أخلاقي يعطي أهمية قصوى لحماية الخصوصية، في بلد لا يوجد به تشريع خاص بحماية البيانات “RGDP”، وجدير بالذكر أن المنحة المقدمة من الوزارة الاتحادية للبنية التحتية تبلغ 50 مليون دولار على مدى خمس سنوات.

3- نموذج سيول: حيث يتم تقديم سيول بانتظام على أنها منطقة رائدة من حيث الابتكار ونشر التقنيات الرقمية. وتعتمد خطتها الرئيسية للمدينة الذكية على برنامج استثمار رقمي ضخم وتتعدد الموضوعات المعنية مثل: التنقل، وجودة الهواء، والطاقة، والإدارة عبر الإنترنت، إلخ. وتُعد إدارة البيانات في قلب مشروعات المدينة الذكية في سيول، كما تتعدد مصادر البيانات التي تستخدمها السلطات المحلية مثل: بيانات من خدماتها، بيانات من عشرات الآلاف من أجهزة الاستشعار المختلفة، وبيانات من الهواتف المحمولة وشبكات “Wi-Fi” العامة.

من ناحية أخرى، فإن البيانات المفتوحة “Open Data” هي القاعدة في النموذج الكوري، حيث يمكن الوصول من خلالها عبر الإنترنت إلى أكثر من 7000 مجموعة بيانات وحوالي 5500 واجهة برمجة تطبيقات في بلد يتم فيه ضمان مستوى عالٍ من حماية البيانات الشخصية، معترف به على وجه الخصوص من قبل أوروبا.

4 – نموذج هلسنكي: تُصنف عاصمة فنلندا بين أفضل المدن الذكية في العالم من قبل العديد من المنظمات، وتقوم بتطوير العديد من المشروعات على خطين من الأولويات: تحقيق حيادية الكربون بحلول عام 2035، وتحسين نوعية الحياة لسكانها من خلال جعل المدينة الذكية أسهل وعملية قدر الإمكان. لتحقيق هذا الهدف الثاني، روجت هلسنكي لفكرة المختبرات الحية، وهي أنظمة ابتكارية مفتوحة تشرك المستخدمين بشكل ملموس في تصميم واختبار مشروعات المدن الذكية من خلال التغذية المرتدة.

النموذج الأوروبي البديل

من خلال التجارب المختلفة، يمكن تحديد خصائص النموذج الأوروبي البديل للمدن الذكية، الذي يتوقع أن تكون الخصوصية هي حجر الزاوية الخاص به، وستستند إلى التطبيق الصارم للائحة العامة لحماية البيانات “GDPR”، إذ سيكون أحد المبادئ التأسيسية للائحة هو الموافقة على جمع البيانات الشخصية. كما يتعين تنفيذ حزمة تشريعات أوروبية جديدة، تتضمن على وجه الخصوص قانون البيانات “Data Act” (الذي قدمته اللجنة الأوروبية في فبراير 2022) والذي يهدف إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني لأدوات إدارة البيانات (وللبيانات نفسها)، وقانون إدارة البيانات “Data Governance Act” (المعتمد في مايو 2022 ويسري بدءاً من سبتمبر 2023)، ويهدف بشكل خاص إلى تسهيل تبادل البيانات بين الجهات الفاعلة، العامة والخاصة، لخدمة المصلحة العامة.

ويسعى الاتحاد الأوروبي دون تأخير إلى بناء نموذجه المرتقب في المدن الذكية وتعزيز تطبيقه، فعلى سبيل المثال، تهدف المشاريع المتعددة التي يقودها “DG CONNECT” إلى تعزيز ظهور مسار ثالث لمدينة ذكية تتسم بالكفاءة والديمقراطية والشفافية ومنفتحة في إدارتها، وبالتالي ذات سيادة في خياراتها التكنولوجية وأخلاقية في إدارتها للبيانات.

وقبل الترويج عالمياً لأحد النماذج الأوروبية، تشير الدراسة إلى أنه يجب أن تتوافر القدرة على هيكلته واختباره على نطاق واسع، كما أنه من الضروري تعزيز اتساقه الداخلي من أجل زيادة تأثيره الخارجي، وقد تم تحديد عاملين أساسيين من أجل بناء هذا الاتساق، هما: البنى التحتية للمدن الذكية، ووضع معايير لقياس الأدوات والبيانات.

فالبنية التحتية هي إحدى ركائز الحرب الرقمية بشكل عام، والمدن الذكية بشكل خاص، وتشير البنية التحتية بالأساس إلى الشبكات و”IoT” (إنترنت الأشياء)، وتتكون هذه البنية من ثلاث طبقات هي: المنطقة السفلية أو منطقة الجهاز (إنترنت الأشياء، برامج الأعمال… إلخ)، المنطقة الوسيطة أو منطقة البيانات (مستودع البيانات، والسحابة، وما إلى ذلك)، ومنطقة التطبيق (أدوات التصور والتحليل). وتشكل هذه البنى التحتية طبقة أولى للمدن الذكية أساسية، يتبع ذلك أدوات تحويل البيانات، بما في ذلك منصات البيانات الحضرية وأدوات تحليل وعرض البيانات، بما في ذلك التوائم الرقمية.

وهناك أنواع عديدة من الشبكات في العالم حالياً لنقل البيانات، حيث تتوافر لدى المدن الذكية العديد من الخيارات الممكنة، من السرعة المنخفضة أو “LPWAN” “Low Power Wide Area Network”، إلى السرعة العالية جداً (5G أو الألياف)، كما يعتمد تطوير هذه الشبكات على أحكام معقدة، منها ملاءمة الاستخدامات، والمخاطر الصحية والأثر البيئي، والقبول الاجتماعي، وأيضاً الاستجابة لقضايا السيادة الرقمية.

أما فيما يتعلق بوضع معايير لقياس الأدوات والبيانات “Standardisation”، فتشير الدراسة إلى سن القواعد التقنية ومعايير البيانات، ولاسيما لأغراض التشغيل البيني، التي تعني قدرة شبكتين أو أكثر من الشبكات والأنظمة والأدوات والتطبيقات على تبادل المعلومات بسهولة بطريقة آمنة وفعَّالة دون إزعاج المستخدم.

ولجعل المدينة الذكية تعمل، من الضروري ضمان الأداء السليم لبروتوكولات الاتصال بين الطبقات الثلاث للبنى التحتية، كما يتطلب ذلك أيضاً توفير بيانات تعريفية قائمة على معايير محددة. فعلى سبيل المثال: يمثل معيار “GTFS” (المواصفات العامة لتغذية النقل العابر) أهمية لبيانات النقل.

ختاماً، فإن تطوير نموذج أوروبي للمدن الذكية يتطلب احترام كل من القضايا المتعلقة بحماية الخصوصية والحفاظ على الإجراءات المفتوحة والديمقراطية، حيث يمكن لأوروبا الاعتماد على إطار تنظيمي طموح، قادر على تعزيز وتطوير نموذج لهذه المدن بما يسمح بتصديره إلى القارات الأخرى.

أترك تعليقا

أحدث أقدم