شرادي تضع المسار التنموي في المغرب تحت مجهر "الفحص السوسيولوجي"

شرادي تضع المسار التنموي في المغرب تحت مجهر 'الفحص السوسيولوجي'

بعدما كثر الحديث عن التنمية في الآونة الأخيرة، وأصبحت شعارا يرفعه السياسي أو مبررا تلجأ إليه المنظمات الدولية لفرض برامجها على دول العالم الثالث، وبعدما توالت البرامج التنموية التي اعتمدها المغرب؛ كان لا بد للباحث السوسيولوجي أن يتدخل ليضع العملية التنموية في سياقها السوسيوتارخي ويكشف عن مرتكزاتها النظرية وخلفياتها الإيديولوجية ومآلاتها.

ذلك ما اضطلعت به الدكتورة جميلة شرادي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة محمد الأول بوجدة، حيث أصدرت أخيرا مؤلفا موسوما بعنوان: “استراتيجيات التنمية في المغرب: أسئلة سوسيولوجية حول المسارات والمآلات”. وهو مؤلف يقع في 222 صفحة، صادر عن “منشورات الحلبي” بتمارة.

إذا كان المجتمع المغربي في حاجة إلى التنمية فعلا، فالسؤال المطروح هو: أي تنمية يحتاج؟ هل أثرت الاستراتيجيات التنموية التي اعتمدها على مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف آل مسار التنمية بالمغرب إلى خلق مشاكل اجتماعية معقدة؟

تلك من ضمن الأسئلة التي أجابت عنها الدكتورة اعتمادا على الأبحاث النظرية والوثائقية والميدانية المتصلة بالتنمية. لم تكتف في مؤلفها بالفحص النقدي للنظريات والمفاهيم، إنما ربطت المقاربات النظرية بتطبيقاتها في السياق المغربي، كما حللت مختلف مؤشرات واستراتيجيات التنمية، منذ الاستقلال إلى حدود آخر تصور تنموي جسده النموذج التنموي الجديد عام 2021.

على المستوى النظري، اعتمدت الدكتورة مقاربة نقدية كشفت من خلالها عن حدود النظريات الاقتصادية الكليانية، والنظريات ذات الخلفية الماركسية، إضافة إلى نظرية التبعية، والمقاربات النظرية المرتبطة بالسوسيولوجيا الكولونيالية. وعلى أنقاض هذه النظريات، قدمت النظرية النقدية للسوسيولوجي المغربي عبد الجليل حليم، كما قدمت نقدها السوسيولوجي للنماذج النظرية العنصرية حول المغرب.

أما على المستوى الميداني، فقد انكب المؤلف على فحص الدينامية التنموية التي يعرفها المغرب وإبراز الاختلالات والأعطاب التي تخللتها. من ضمن أبعاد واستراتيجيات التنمية التي خصتها الدكتورة بالدراسة الميدانية نجد:

التنمية البشرية المرتبطة بقطاع التعليم.

دور قطاع التعليم العالي في النهوض بالتنمية.

الاستراتيجيات التنموية المتصلة بتأهيل التراث الثقافي.

تنمية التراث الثقافي المعماري للواحات.

التنمية المستديمة وتحديات البيئة في المدن العتيقة.

الاستراتيجيات التنموية الجهوية في علاقتها بالعدالة الترابية.

النموذج التنموي الجديد

انطلاقا من الفحص السوسيولوجي الدقيق للأبعاد التنموية السالفة وما يتصل بها من استراتيجيات تنموية، أبرزت الدكتورة أهمية القبول الاجتماعي في نجاح كل برنامج تنموي. وفي هذا الإطار تحديدا يأتي دور السوسيولوجيا التي لا محيد عنها لفهم تمثلات الساكنة المعنية بالتنمية.

من ضمن فروع السوسيولوجيا المعول عليها، قدمت الدكتورة نموذج السوسيولوجيا الحضرية، باعتبار أن المجال الحضري لا ينفصل عن ممارسات وتمثلات الساكنة، فهو نسق من المعاني والرموز التي تتحدد انطلاقا من تفاعلاتهم.

علاوة على ذلك، قدمت نموذج سوسيولوجيا المخاطرة أو المجازفة التي تهتم بالمخاطر والأزمات المحيطة بإنسان ما بعد الحداثة. ومن هذا المنظور، لا يمكن رصد آليات التوافق والقبول الاجتماعي لدى مختلف الفاعلين إلا من خلال الأخذ بعين الاعتبار تقييمهم للمخاطر واقتراحاتهم على مستوى إدارتها، وهو الأمر الذي يتطلب إشراك مختلف الفاعلين (من قبيل: الساكنة، والتقنيين، والخبراء، والمقاولين، والسياسيين) من جهة، والاستناد إلى البحث السوسيولوجي في كل عملية تنموية من جهة ثانية.

لكل هذه الاعتبارات، يمكن القول إن مؤلف الدكتورة جميلة شرادي يعتبر مرجعا لا محيد عنه لفهم التغيرات التنموية بالمجتمع المغربي وما يتصل بها من أعطاب. إنه مؤلف رصين وقائم على أرضية نظرية ومنهجية صلبة، مكنت بما لا يدع مجالا للشك من تقييم المسار التنموي للمغرب في شموليته.

أترك تعليقا

أحدث أقدم